في كل زمان يظهر “كوكب” يلفت الأنظار، وفي كل عصر يبزغ “قمر” يملأ العيون ضياءً، ثم لا تلبث أن ترتفع “شمس” كبرى تفرض حضورها على العالم كله، حتى يظن كثير من الناس أنها الحقيقة النهائية التي لا يمكن تجاوزها، وهنا تبدأ أخطر لحظة في تاريخ الأمم؛ لحظة الانبهار.
فالقرآن حين حكى لنا رحلة إبراهيم -عليه السلام -مع الكوكب والقمر والشمس، لم يكن يقدم درسًا فلكيًا مجردًا، بل كان يكشف قانونًا نفسيًا وحضاريًا يتكرر في كل عصر، الناس تميل إلى تأليه ما يبزغ ﴿فَلَمّا رَأَى كَوكَبَا قالَ هذا رَبّي﴾ ﴿فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبّي﴾ ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبّي هذا أَكبَرُ﴾ هذا ليس مجرد انتقال بين أجرام، بل انتقال بين درجات الإبهار، فالكوكب يلفت النظر. والقمر يأسر المشاعر. أما الشمس فتفرض سلطانها على الحياة كلها ولهذا قال: ﴿هذا أَكبَرُ﴾ لأن النفس البشرية تنجذب دائمًا إلى الأكبر؛ الأكبر قوة، الأكبر نفوذًا، الأكبر حضورًا، الأكبر تأثيرًا في العالم.
ومن هنا تبدأ المأساة الحضارية للأمم، فالأمم لا تُهزم دائمًا بالسلاح أولًا، بل تُهزم حين تتحول القوة البازغة في وعيها إلى “مرجعية مطلقة “حين لا تعود الحضارة المهيمنة مجرد تجربة بشرية يمكن الاستفادة منها أو نقدها، بل تصبح “شمسًا عقلية” تدور حولها العقول والقلوب والتصورات.
في البداية يكون الأمر إعجابًا: إعجاب بالعلم، أو بالتنظيم، أو بالقوة، أو بالإنتاج، ثم يتحول الإعجاب إلى انبهار، ثم يتحول الانبهار إلى شعور داخلي بالدونية، ثم يحدث التحول الأخطر؛ تصبح الأمة غير قادرة على رؤية نفسها إلا من خلال عين الحضارة المهيمنة، فتبدأ تدريجيًا في احتقار لغتها، والتشكيك في تراثها، والخجل من قيمها، والاعتقاد أن خلاصها الوحيد هو الذوبان الكامل في النموذج البازغ.
وهنا تتحول الشمس إلى “إله خفي” ليس المقصود بالسجود هنا سجود الجسد، بل سجود الوعي، حين يصبح النموذج المهيمن هو الذي يحدد، ما الحقيقة، وما النجاح، وما الإنسان، وما الأسرة، وما الحرية، وما التقدم، وما التخلف، وحين تصل أمة إلى هذه المرحلة فإنها تفقد أخطر شيء يمكن أن تفقده: قدرتها على تعريف العالم بنفسها.
ولهذا كان إبراهيم- عليه السلام -نموذجًا للتحرر قبل أن يكون مجرد مناظر لقومه، فهو لم ينكر أن القمر جميل، ولا أن الشمس عظيمة، لكنه رفض أن تتحول العظمة إلى ربوبية.
وهنا يكمن الفرق بين الإنسان الحر والإنسان المبهور، المبهور يرى البزوغ فيخضع، أما الحر فينظر إلى ما وراء البزوغ، ولهذا لم يتوقف إبراهيم عند لحظة الشروق، بل انتظر لحظة الأفول ﴿فَلَمّا أَفَلَ﴾ ﴿فَلَمّا أَفَلَت﴾
وهنا تنكشف الحقيقة التي يهرب منها المبهورون، كل ما يبزغ سيأفل، كل حضارة مهما عظمت تحمل داخلها حدودها، وكل قوة مهما تمددت ليست مطلقة، وكل شمس تاريخية ستأتي عليها لحظة غروب، لقد بزغت حضارات ظن الناس أنها أبدية؛ روما، وفارس، واليونان، والإمبراطوريات الاستعمارية، وقوى عظمى حكمت العالم عقودًا طويلة، وفي لحظة البزوغ كان الناس يظنون أن التاريخ انتهى عندها، لكن الأفول كان يعمل بصمت، وأحيانًا يبدأ الأفول من الداخل: حين تنهار المعاني، وتتفكك الأسر، ويضيع الإنسان، وتتحول الحياة إلى آلة ضخمة تنتج القوة لكنها تعجز عن إنتاج الطمأنينة.
وهنا يظهر عمق المنهج القرآني، فالقرآن لا يدعوك إلى كراهية الشمس، ولا إلى الهروب من العالم، ولا إلى رفض العلم والقوة والتنظيم، إبراهيم لم يطفئ الشمس، بل رفض عبادتها، وهذا فارق هائل، يمكن للأمة أن تختلط بالحضارات الأخرى، وأن تدخل ميادينها، وأن تتفاعل مع علومها وتقنياتها وتجاربها، لا بوصفها تابعًا ينتظر التلقي، بل بوصفها أمة تملك معيارها الداخلي وقدرتها على التمييز والاستبانة، فليس كل اختلاط تبعية، وليس كل تعلم ذوبانًا، وليس كل استفادة اعترافًا بسيادة النموذج الآخر.
إن الأمة الحية لا تدخل العالم بعقلية المستهلك المبهور، بل بعقلية الفاحص الواعي، تنظر، وتحلل، وتفكك، وتسائل، وتفهم كيف بُنيت القوة، وكيف تشكلت النماذج، وما الفرضيات التي قامت عليها الحضارات، وما الإنسان الذي تريد إنتاجه، وما الثمن الذي…
