تعليمي

حين يُصبح التقويم شهادة على الكفاءة

تأمّلات في رحلة الحصول على الرخصة المهنية للمدربين من هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC) في عالم يتسارع فيه إنتاج المعرفة، ويتوسّع فيه سوق التدريب والتطوير المهني، باتت مسألة ضمان الجودة...

AAdmin
٦ نوفمبر ٢٠٢٦
3 دقيقة قراءة
حين يُصبح التقويم شهادة على الكفاءة

تأمّلات في رحلة الحصول على الرخصة المهنية للمدربين من هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC)

في عالم يتسارع فيه إنتاج المعرفة، ويتوسّع فيه سوق التدريب والتطوير المهني، باتت مسألة ضمان الجودة في المنظومة التدريبية ضرورةً مؤسسية وأخلاقية في آنٍ واحد.

فالتدريب لم يعد مجرد تقديم محتوى معرفي، بل أصبح فعلًا استراتيجيًا يُحدّد مخرجات المؤسسات وقدرتها على التكيّف والنمو في ظل متطلبات متصاعدة التعقيد.

وقد جاءت الرخصة المهنية للمدربين الصادرة عن هيئة تقويم التعليم والتدريب (ETEC) لتُعيد تعريف معيار الكفاءة التدريبية في المملكة العربية السعودية، وتُرسّخ مبدأ أن الجودة لا تُقاس بالخبرة وحدها، بل بالكفاءة الموثّقة والمعتمدة وفق معايير وطنية محكمة.

ثمّة مفارقة فكرية تستحق التأمل: نحن، أصحاب التخصصات التعليمية والتدريبية، نتحدث كثيرًا عن أهمية التقييم والقياس وضمان الجودة في مؤسساتنا وبرامجنا وعملياتنا، غير أننا نادرًا ما نُخضع أنفسنا، بوصفنا ممارسين وفاعلين في هذه المنظومة، لأدوات تقييم مؤسسية صارمة، ومُعايرة وفق معايير وطنية معتمدة وموثّقة.

إن هذه الفجوة بين ما ندعو إليه وما نُمارسه تُشكّل إشكالية حقيقية في مصداقية المنظومة التدريبية برمّتها. فكيف يمكن لمدرّب يدعو إلى التقييم المستمر أن يغفل عن تقييم كفاءاته الذاتية وفق معايير خارجية محددة وموضوعية؟ وهنا تكمن القيمة الجوهرية لمبادرة هيئة تقويم التعليم والتدريب: إنها لا تُقيّم المخرجات فحسب، بل تُقيّم المُدخل البشري ذاته (المدرّب).

وهو ما يمثّل نقلة نوعية في الفهم المؤسسي للجودة التدريبية، ويُعيد تأسيس معادلة المساءلة المهنية على قواعد أكثر رسوخًا وموضوعية.

تُجسّد الرخصة المهنية للمدربين من ETEC إطارًا معياريًا متكاملًا يشمل ثلاثة مستويات متداخلة ومترابطة من الكفاءة، لا يمكن اختزالها في بُعد واحد أو مستوى منفرد:

وتتعلق بإتقان المدرّب لأسس علم التعلّم وعلم النفس التربوي وسيكولوجية المتعلّم البالغ، فضلًا عن التصميم التعليمي وآليات تقييم المتدربين وقياس أثر التدريب على الأداء. وهي الكفاءة التي تُحدّد مدى عمق الأساس النظري الذي ينطلق منه المدرّب في ممارسته.

وتشمل قدرة المدرّب على تطبيق استراتيجيات التدريس الفعّال في بيئات متنوعة، وإدارة الديناميكيات الجمعية داخل البيئات التدريبية الحضورية والافتراضية، وتوظيف أدوات التكنولوجيا التعليمية بكفاءة وانتقائية، والتكيّف مع احتياجات المتدربين المتباينة بمرونة ووعي منهجي.

وتتجلى في الالتزام بأخلاقيات مهنة التدريب، والتطوير الذاتي المستمر بوصفه مبدأً راسخًا لا استجابةً ظرفية، والمساهمة الفاعلة في المجتمع التدريبي وتنمية ثقافة التعلّم المؤسسي. وهي البُعد الذي يُحوّل المدرّب من موظف يُؤدّي مهمة إلى مهني يحمل رسالة.

إن هذا الثلاثي المتكامل — المعرفة والأداء والمهنية — هو ما يُفرّق بين مدرّب يمتلك خبرة في مجال ما ومعرفة بمحتواه، ومدرّب يمتلك كفاءة تدريبية موثّقة ومعتمدة، قادر على تصميم التجربة التعليمية بأثر حقيقي وقابل للقياس.

لطالما كان النقاش قائمًا في الأوساط التعليمية والأكاديمية حول ثنائية التنظير والتطبيق، وكأنهما يقعان على طرفي نقيض لا يلتقيان. وكثيرًا ما يُقدَّم الباحث الأكاديمي بوصفه منشغلًا بالنماذج والمفاهيم، بعيدًا عن تعقيدات الواقع، في حين يُقدَّم الممارس الميداني بوصفه بعيدًا عن الصرامة المنهجية. غير أن تجربتي في رحلة الترخيص المهني أكّدت لي ما أؤمن به منهجيًا وأدافع عنه فكريًا: إن الممارسة الرصينة لا تنفصل عن الأساس النظري المتين، بل هي نظريةٌ مُجسَّدة وتطبيقٌ مُستوعَب.

إن الاشتغال الأكاديمي على محاور القيادة والتخطيط الاستراتيجي، والاهتمام البحثي بالحوكمة والاستدامة في التعليم، والانشغال الفكري بتوظيف الذكاء الاصطناعي في البيئات التعليمية وآليات ضبطه أخلاقيًا ومؤسسيًا — كل ذلك لا يكتمل ولا يُترجم إلى أثر حقيقي إلا حين يُضاف إليه البُعد التدريبي الموثّق، الذي يُمكّن من نقل هذه المعرفة وترسيخها في عقول المتعلمين وممارساتهم المهنية اليومية. وهذا ما تُحققه الرخصة المهنية بامتياز: إنها تجسير حقيقي بين الأكاديميا والممارسة.

لا يمكن قراءة مبادرة الت…