نور سليمان أبو بطيحان 2026/06/17 دراسات 43 زيارة
في قطاع غزة، لا يشبه التعليم أي تجربة تعليمية أخرى في العالم، لا من حيث الوظيفة ولا من حيث الأثر؛ فهنا في غزة الصمود، لا تمثل المدرسة مجرد مؤسسة خدمية، بل مساحة أمل في واقع شديد القسوة، وامتداداً لفكرة البقاء. كم من الآباء ناموا جوعى، ليجد طفلهم صباحاً قلماً ودفتراً يرافقه إلى المدرسة.
التعليم في غزة ليس مساراً مهنياً تقليدياً، بل فلسفة وجودية، واستراتيجية صمود، وأداة لمجابهة واقع مثقل بالألم، ونافذة شبه وحيدة نحو مستقبل أكثر احتمالاً في ظل حصار خانق واعتداءات متلاحقة. لذلك، لا يمكن اختزال ما يتعرض له النظام التعليمي في كونه قطاعًا خدميًا أصابه العطب بفعل العدوان، بل ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع من الهشاشة البنيوية والضغط المزمن الذي يطال أحد أهم مقومات البقاء.
اليوم، يبدو التعليم محاصرًا بين مطرقة العدوان الذي يربك انتظامه ويقوض استقراره، وسندان منظومة تمويل دولية تتسم بعدم الاستقرار والهشاشة. هذا الواقع المرير يفرض تساؤلات تتجاوز الشأن التعليمي ذاته، لتلامس جوهر فكرة الحق في التعليم ومعناها الفعلي.
وفي خضم هذا المشهد، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل تعليم أطفال غزة في خطر؟
في غزة، لا تمثل المدرسة مجرد جدران وسقف، بل مساحة أمل وشعور نادر بالثبات. كثير من الأطفال لا يحلمون بالشهادات أو المهن المستقبلية، بل بفصل دراسي مستقر، ولوحة وسبورة، ومقاعد تحفظ شيئاً من الإيقاع الطبيعي للحياة المدرسية، ومع كل تصعيد عسكري، تتبدل هذه الصورة إلى ركام، تُغلق المدارس، وتتحول الفصول إلى مراكز إيواء مكتظة، حيث تحل ضرورات البقاء محل الدروس والتفاعل الاجتماعي.
تشير تقديرات أممية حديثة إلى حجم واسع من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية في القطاع (UN OCHA, 2024؛ UNESCO, 2024). غير أن الخسارة لا تقاس بعدد المباني المتضررة فقط، بل بتآكل ما يمكن تسميته الذاكرة التربوية للمجتمع، فكل مدرسة لم تكن مجرد موقع للتعلم، بل مركزًا للحياة الاجتماعية والثقافية، ومساحة لتراكم الخبرات والعلاقات.
إن استشهاد الطلبة والمعلمين لا يمثل فقدانًا بشريًا فحسب، بل فجوة معرفية عميقة يصعب تعويضها، كل معلم يُفقد هو خبرة تربوية متراكمة تضيع، وكل طالب يُقتل هو حلم تم وأده قبل أن يبدأ، وفي هذا السياق، لا يصبح الحديث عن إعادة الإعمار مسألة بنية تحتية فقط، بل إعادة بناء لرأس مال معرفي وإنساني كامل.
العدوان المستمر يؤدي كذلك إلى فاقد تعليمي تراكمي لا يرتبط بعدد الأيام الدراسية المفقودة فقط، بل بتراجع المهارات الأساسية لدى الطلبة، طفل ينتقل من مدرسة إلى مركز إيواء ثم إلى مساحة تعلم مؤقتة، لا يفقد زمنًا أكاديميًا فقط، بل يفقد الإحساس بالاستمرارية الذي يشكل أساس التعلم ذاته. وتشير تقارير متخصصة في تعليم الطوارئ إلى أن هذا النوع من الانقطاع المزمن يترك آثارًا معرفية ونفسية طويلة المدى (UNICEF, 2024).
في غزة، كل درس يُفقد، وكل فصل يُهدم، ليس مجرد حادث عرضي، بل تذكير يومي بأن العدوان لا يستهدف البنية المادية فقط، بل يحاول إعادة تعريف فكرة المستقبل نفسها.
في قطاع غزة، لا يشكل التمويل مجرد أرقام في الميزانيات، بل هو المحرك الذي يحافظ على استمرارية العملية التعليمية، ويجعل الفصول نابضة بالحياة. وعندما ينهار هذا الدعم أو يتأخر، يجد الطلاب أنفسهم محرومين من أبسط مقومات التعليم، من كتب وأقلام، مقاعد مناسبة وجدران حقيقية، معلم يقظ الذهن غير مثقل بالهموم.
التمويل الهش لا يضرب فقط كفاءة المدرسة، بل يصل إلى صميم حقوق الأطفال في التعليم، كل تأخير في الدعم المالي أو كل دورة تمويل قصيرة الأمد، تعني أن برامج الدعم النفسي والاجتماعي-الضرورية في سياق الصدمات الجماعية- تصبح عرضة للتقليص أو الإلغاء. كما أن مساحات التعلم البديلة، التي تمثل شرياناً لاستمرارية التعليم، تبقى رهينة لتدفق الموارد. في هذا الواقع، يصبح التمويل ليس مجرد أداة دعم، بل سيفًا يعلق فوق رؤوس الأطفال، يحدد ما إذا كان لهم حق التعلم في ظروف كريمة، أو مجرد البقاء على قيد الدراسة بالحد الأدنى.
حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين(الأونروا) مرارًا من أن نقص التمويل يفرض تخفيضات قسرية ع…
