19 يونيو، 2026 Home » تصميم » منحوتة “بينيترابل بي بي إل جون” تعيد تعريف الكتلة والفراغ التفاعلي التفكيك الكتلي وتلاشي الحدود الفراغية تتحرك منحوتة “بينيترابل بي بي إل جون” في سياق تشكيلي يرفض ثنائية “المشاهد والشيء الفني”، لتقدم بديلًا يرتكز على تفكيك الحجم الصلب وتحويله إلى ظاهرة فراغية. من الخارج، يفرض الإطار الفولاذي الأبيض هندسة صارمة تحتضن آلاف الأنابيب المتدلية من مادة الـ PVC ذات اللون الأصفر الكثيف. هذا التناقض البصري الأولي يبني كتلة لونية تبدو للوهلة الأولى مصمتة وجامدة، إلا أن هذا الحضور لا يهدف إلى عزل الفراغ، بل إلى إعادة تعريفه؛ فالأنابيب الأربعة آلاف لا تشكل جداراً مستمراً، وإنما تعمل كحقل نفاذ يستدرج الضوء ويجزئه، مما يحول الكتلة من كيان بصري ثابت إلى بنية حركية قابلة للاختراق.
تتحول عملية الاقتراب من المنحوتة إلى تجربة سينوغرافية حية تعيد صياغة حركة الجسد البشري داخل الفراغ المعماري. عند لحظة الدخول، يتلاشى الوهم البصري للكتلة الصماء، حيث يختبر المستخدم عبوراً فيزيائياً ينهار فيه الفاصل بين الجسد والمادة. تلامس الأنابيب المرنة ذراعي العابر وكتفيه ووجهه، مما يولد تفاعلاً حيوياً تتداخل فيه حركة الهواء مع مرونة الأنابيب الساقطة، لينتقل الإنسان من دور المراقب الخارجي إلى عنصر محرك ومكمل للفراغ نفسه. هذا التبادل المادي والنفسي يحقق هوس سوتو بتذويب الحدود، حيث يصبح الأثر الفني تجربة ممتدة داخل وعي المستخدم وحركته، وليس مجرد جسم معروض في الفضاء.
يمثل وضع منحوتة “بينيترابل بي بي إل جون” في الفضاء المفتوح لصالات السيربنتاين بلندن تحولاً جذرياً في دراسة الظاهرة الفراغية وعلاقتها بالبنية المعمارية المحيطة؛ إذ ينتقل العمل من مفهوم “الشيء” المصمت إلى مفهوم “العلاقة” التفاعلية المفتوحة. تعيد الأنابيب الصفراء صياغة الفضاء الخارجي عبر تحويل اللون من سطح مرئي ثابت إلى جو محيط وديناميكي يتأثر بمسار الشمس وتوجيه الضوء الطبيعي. لم تعد البنية هنا مجرد كتلة تضاف إلى الفراغ العام، بل أصبحت وسيطاً يعيد ضبط حركة الجسد البشري وتوجيه مسارات المشاة، محولةً الحشود العابرة من مراقبين سلبيين إلى مشاركين فاعلين في صياغة المشهد السينوغرافي اليومي.
تتحقق حيوية العمل من خلال رفضه المطلق للجمود البصري، مستبدلاً إياه بقراءة نقدية حية ترتكز على الشعور الفيزيائي والتأثير النفسي للمادة. تعتمد التجربة على حركة الهواء وتقاطع الظلال الناتجة عن تمايل أنابيب الـ PVC، مما يمنع تحول المنحوتة إلى أداة عرض سطحي مصممة لالتقاط الصور. يفرض التصميم المعماري للعمل اختباراً حسياً مباشراً؛ حيث يتمايل الحقل اللوني مع حركة العابرين والرياح، ليتغير الضوء المنعكس ويتلاشى الحد الفاصل بين الجسد البشري والمنظومة الفنية بالكامل. هذا التفاعل الحيوي يحفز وعي المستخدم بالمكان، ويعيد تعريف مفهوم “الفن العام” كفضاء ممتد من التجارب المادية الملموسة.
يُشخّص النص تحولاً جذرياً في مفهوم العمارة ، حيث يُعيد تأطير تجهيز سوتو الحركي كفضاء تفاعلي لا ككتلة مصمتة. وعبر توظيف مواد بناء مرنة كأنابيب الـ PVC لإذابة الحدود الإنشائية، ينجح المشروع في استبدال المشاهدة السلبية بتجربة حسية ملموسة، محولاً الفراغ العام إلى غلاف يتداخل فيه الجسد مع الضوء والهواء.
ومع ذلك، ينطوي هذا التفسير الظاهراتي (الفينومينولوجي) على نظرة رومانسية تتجاهل ديناميكيات الاستثمار العقاري المؤسسي. إن إسقاط الفن التفاعلي على فضاء المدن يعمل غالباً كآلية تكتيكية لصناعة الهوية البصرية للمطورين، حيث يُستغل هذا التفاعل المفتوح لإنتاج رأس مال ثقافي. وبناءً على ذلك، فإن تفكيك الحاجز المعماري المحتفى به يواجه خطر التحول إلى منتج مدار بدقة، يختزل العفوية الحضرية في طقس ترفيهي مرسوم سلفاً.
