الموسيقى والغناء

إدارة الصراعات بدل حلّها: هل تغيّر مفهوم الانتصار في الشرق الأوسط؟

منذ عقود، اعتاد الناس على فكرة أن الحروب تنتهي بنتيجة واضحة: طرف منتصر يفرض شروطه، وطرف مهزوم يقبل بتسوية أو يستسلم. لكن متابعة مسار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، من...

AAdmin
٢١ يونيو ٢٠٢٦
3 دقيقة قراءة
إدارة الصراعات بدل حلّها: هل تغيّر مفهوم الانتصار في الشرق الأوسط؟

منذ عقود، اعتاد الناس على فكرة أن الحروب تنتهي بنتيجة واضحة: طرف منتصر يفرض شروطه، وطرف مهزوم يقبل بتسوية أو يستسلم. لكن متابعة مسار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، من غزة ولبنان إلى سوريا واليمن، تُظهر نمطًا مختلفًا: لا حسم نهائي، ولا تسويات شاملة، بل سلسلة من “جولات” تُدار أكثر مما تُحل. مما يطرح السؤال: هل أصبحت إدارة الصراعات هدفًا بحد ذاته في الشرق الأوسط، أم أنها مجرد محطة انتقالية تسبق تسويات كبرى لم تنضج شروطها بعد؟

من النصر الحاسم إلى معيار الصمود في القرن العشرين، كان مفهوم النصر يُقاس عادة باحتلال الأرض أو إسقاط النظام السياسي، مثل حروب 1967 و1973، وحرب تحرير الكويت عام 1991. لكن صعود قوى غير نظامية تمتلك في الوقت نفسه قدرات عسكرية وامتدادات سياسية وشعبية، غيّر قواعد اللعبة. فالتفوق العسكري لم يعد كافيًا وحده لإعلان النصر إذا عجز عن ترجمته إلى نتائج سياسية ثابتة. وتحوّلت المعركة من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف متبادلة، يتحقق فيها النصر بـ”إنكار النصر على الخصم” لا بسحقه. أحد أوضح ملامح هذا التحول هو الفجوة المتزايدة بين ما يمكن لجيش أن يحققه ميدانيًا، وما يمكن أن يترجمه سياسيًا. فالنجاحات الميدانية الواسعة قد لا تكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة لأي حرب. في موازاة ذلك، تزايدت أهمية العوامل السياسية والنفسية والإعلامية في تحديد من “انتصر” فعليًا. فالرأي العام أصبح جزءًا من ساحة المعركة لا مجرد متابع لها؛ وصورة الحرب وشرعيتها في عيون المجتمع الدولي أصبحت تؤثر مباشرة في حدود ما يمكن لطرف متفوق عسكريًا أن يستثمر إنجازاته، خصوصًا حين ترتفع كلفة الخسائر المدنية وتتصاعد الضغوط الدولية.

لماذا التوجه إلى إدارة الصراعات بدلا من حلّها؟ يمكن قراءة هذا النمط في ضوء عدة عوامل متشابكة. فمن جهة، تراجعت شهية القوى الكبرى للاستثمار في تسويات شاملة بعد تجارب العقود الماضية في العراق وأفغانستان وغيرهما، حيث ثبت أن “إعادة بناء الدول” مكلفة سياسيًا واقتصاديًا، ونتائجها غير مضمونة. ومن جهة أخرى، توفر إدارة الأزمة، بدل حلها، لكل طرف هامش مرونة: إمكانية تصعيد محدود حين تستدعي الحاجة، وتجنّب الالتزامات السياسية الكبرى التي تفرضها التسويات الشاملة، فضلًا عن الحفاظ على أوراق ضغط متبادلة لاستخدامها في مفاوضات مقبلة. كما أن الانقسامات الداخلية في كثير من الأطراف الإقليمية، وتعقّد شبكات التحالفات، يجعلان من الصعب التوصل إلى تسوية تُرضي كل الفاعلين دفعة واحدة، فيصبح “تجميد” الصراع عند مستوى يمكن التعايش معه خيارًا عمليًا أكثر من السعي إلى حل جذري قد يفتح جبهات جديدة. ولكن هل قرار إدارة الصراعات يأتي نتيجة خيار استراتيجي متعمد، أم نتيجة عجز متبادل عن فرض تسويات نهائية؟ فبعض الأزمات تبدو وكأنها تُدار لأن كلفة الحسم فيها مرتفعة على جميع الأطراف، فيما تعكس أزمات أخرى تراجع قدرة القوى الدولية والإقليمية على إنتاج ترتيبات سياسية مستقرة، حتى عندما تتوافر الإرادة لذلك.

استقرار مؤجل أم انفجار مؤجل؟ لا شك في أنّ “تبريد” الصراعات يمنح المجتمعات المحلية فترات تنفّس ضرورية، حتى في غياب حلّ جذري، لكن في المقابل، استمرار حالة “اللا-حرب واللا-سلم” يُبقي الاقتصادات في حالة هشاشة دائمة، ويترك جذور الصراعات دون معالجة، بما يجعل احتمال الانفجار مجددًا قائمًا عند أي تغيّر في موازين القوى أو في الحسابات الإقليمية والدولية. ويضاف إلى ذلك أن كثيرًا من الصراعات المعاصرة لم تعد تدور حول تحقيق انتصار نهائي بقدر ما تراهن على القدرة على التحمّل والاستنزاف على مبدأ “عض الأصابع”. فالأطراف المتنازعة تسعى أحيانًا إلى منع الهزيمة أو تأخيرها أكثر مما تسعى إلى تحقيق حسم كامل، ما يجعل عامل الزمن جزءًا أساسيًا من معادلة القوة. وربما يرتبط هذا التحول أيضًا بتغير أوسع في البيئة الدولية نفسها. ففي عالم يتسم بتعدد مراكز القوة وتزايد التنافس بين الفاعلين الكبار، أصبحت التسويات الشاملة أكثر صعوبة مما كانت عليه في مراحل سابقة، وهو ما ينعكس مباشرة على أزمات الشرق الأوسط ويحدّ من فرص الوصول…