صابرين سلمان مزيد 2026/07/07 دراسات 54 زيارة
تُشكل السياسات التعليمية الإطار المنظم الذي تستند إليه الدول في توجيه مسار العملية التربوية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وتعرف السياسة التعليمية بأنها “النظام الشامل من المبادئ والأهداف والآليات التي تتبناها الدولة لتنظيم العملية التعليمية وتوجيهها نحو تحقيق التنمية الشاملة، مع مراعاة السياقات المحلية والطارئة” (السريتي، 2024، ص 15). وتطبق هذه السياسات بالمشاركة الفاعلة بين الجهات الحكومية، المنظمات الدولية، مؤسسات المجتمع المحلي) في أطر متغيرة باستمرار” (Edwards et al., 2024, p. 3). وبالطبع هذه السياسات تبنى ليتم تطبيقها في بيئات مدرسية تتوفر فيها البنية التحتية الملائمة والموارد المادية والبشرية المهيئة لذلك، غير أن الواقع يفرض علينا إجراءات استثنائية ليقيس مرونة هذه السياسات وقدرتها على التكيف. وهذا ما حدث معنا في الواقع الغزي، عندما استبدلنا الخيام البلاستيكية لتحل مكان الغرف والفصول الدراسية، وأصبحت الرمال المغطاة بالحجارة وقطع القماش هي المقعد الدراسي، وجدار الخيمة البلاستيكي هو الفاصل بين عدد من الخيام التعليمية، دون أن يمنع وصول الأصوات الخارجية والضوضاء داخل الخيمة، وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للسياسات التعليمية أن تتكيف مع هذا الواقع المرير؟
سأنطلق في هذه الورقة من موقع “شهادة معايشة” ميدانية، بصفتي مديرة مبادرة تعليمية حيث أعيش واقع السياسات التعليمية كما تمارس يومياً، من قلب المؤسسة التعليمية، بل في قلب الميدان، بين أطفال دمرت مدارسهم ومساكنهم، وحرقت كتبهم وفقدوا أهلهم لكنهم لم يتهاونوا في طلب التعلم، وبجوار معلمين يقفون منارة للعلم يعلمون طلابهم وهم يتضورون جوعاً وألماً، و تسعى هذه الشهادة لوصف صورة واقعية عن التحديات التي تواجه تطبيق السياسات التعليمية داخل الخيام التعليمية، وعن الأنشطة التي يبتكرها المعلمون لتكييف السياسات التعليمية للتوائم مع الظروف والإمكانات المتاحة.
تقام المبادرة التعليمية التي أعايشها في مجموعة من الخيام المتجاورة، نصبت على ساحات المدرسة وحدائقها وملاعبها، بعد أن تحولت الغرف الدراسية إلى مأوى للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، أو تعرض جزء من للتدمير الجزئي أو الكلي جراء الحرب. الخيمة التعليمية هي خيام متوسطة المساحة، لا تتسع لأكثر من ثلاثين طالباً في أحسن الأحوال، لكن المشكلة الأكبر تكمن في تريبها بجوار بعضها؛ حيث تتداخل الأصوات من كل خيمة إلى أخرى، ليصبح المشهد الصفي عبارة عن فوضى صوتية يعجز المعلم عن منعها من الوصول إليه، ويعجز الطالب عن التركيز في الشرح بين أصوات الخيام المجاورة. كما أن التهوية والإضاءة غير مناسبة، تعتمد على فتحات صغيرة تم صنعها في جدار الخيمة، وقد يضطر المعلم إلى إغلاقه منعاً لوصول حرارة الشمس أو البرد لطلابه. أما في فصل الصيف، فترتفع الحرارة داخل الخيمة بشكل مريب، فلا يستطيع الطلاب الجلوس داخلها، ولا يستطع المعلم التدريس في جو غير صالح للتعلم. وفي المقابل، يأتي فصل الشتاء ليضيف معاناة جديدة، إذ تتسرب مياه الأمطار من أعلى الخيمة ومن أسفلها، وقد تضطر الحصة للتوقف أو نقلهم إلى مكان آخر. أما عن كيفية جلوس الطلاب داخل الخيمة، في البداية جلسوا متجاورين على الأرض، يفصل بينهم وبين أرضية الخيمة قطع من سجادات الصلاة، أو قطع كرتون، أو قطع قماش قديمة فرشت على الرمال. لم يكن هناك أثاث مدرسي متوفر. فالمعلم نفسه لم يجد كرسياً يجلس عليه خلال الحصة، ولا طاولة يضع عليها كتبه وأوراقه، أو يتابع عليها تصحيح كراسات الطلبة، فكان يضع كومة من الكتب بجانبه أو يحملها بيديه طوال الحصة، بعد فترة من انطلاق المبادرة، تحرك المجتمع المحلي بمبادرات إنسانية، وتم توفير أثاث مدرسي بسيط ليجلس عليه الطلاب، وشعر الطلاب بالأمل يعود من جديد، ولكن فرحة هذا الإنجاز لم تدم طويلاً؛ فالمقاعد بدأت تتكسر، بسبب الاستخدام اليومي المتواصل، وأعداد الطلاب الكبيرة التي جلست عليه، ليعود الطلاب من جديد للجلوس على الأرض، وأصبح رؤية الأثاث المكسور داخل الخيام صورة بصرية تعبر عن ضعف الحلول في ظل غياب سياسات واضحة لتأمين بيئة تعليمية مستقرة. ولا يمكن إغفال غياب…
