تعليمي

قراءة في كتاب تعليم المقهورين : حين تصبح الأبجدية سلاحًا في الواقع الفلسطيني

مقدمة لا يمكن قراءة كتاب تعليم المقهورين (Pedagogy of the Oppressed) للمفكر البرازيلي باولو فريري بمعزل عن سياقات القهر والتحرر التي تعصف بالعالم منذ عقود. ولكن، حين تُنقل هذه القراءة...

AAdmin
٧ يوليو ٢٠٢٦
3 دقيقة قراءة
قراءة في كتاب تعليم المقهورين : حين تصبح الأبجدية سلاحًا في الواقع الفلسطيني

سامي عوض الله جاد الله رباح 2026/07/07 رأي 103 زيارة

لا يمكن قراءة كتاب تعليم المقهورين (Pedagogy of the Oppressed) للمفكر البرازيلي باولو فريري بمعزل عن سياقات القهر والتحرر التي تعصف بالعالم منذ عقود.

ولكن، حين تُنقل هذه القراءة إلى التربة الفلسطينية، فإن الكلمات تتحول من مجرد نظريات تربوية جافة إلى أدوات اشتباك يومي ووجودي.

في فلسطين ، ليس التعليم مجرد عملية تراكم معرفي أو وسيلة للحصول على شهادات أكاديمية، بل هو فعل وجود واستمرارية في وجه محاولات المحو والإبادة الثقافية الممنهجة.

يأتي هذا المقال ليقدم قراءة نقدية معمقة في فكر فريري، مسقطًا مفاهيمه الجوهرية على الواقع الفلسطيني المعاصر، وتحديدًا في ظل الظروف الكارثية التي أنتجت ما يُعرف بـ”النقاط التعليمية” وسط الركام والخيام في قطاع غزة.

إننا هنا لا نقرأ كتابًا فحسب، بل نقرأ واقعًا يُعاد تشكيله بالأبجدية في مواجهة الدبابة، وبالقلم في مواجهة الحصار.

إن فلسفة فريري تجد في فلسطين مختبرها الأكثر قسوة والأكثر صدقًا، حيث يصبح “التعليم كفعل للحرية” حقيقة ملموسة تُعاش كل صباح، في حصص الدرس داخل الخيام أو في المدارس التي تكتظ بالنازحين.

يستهل فريري كتابه بنقد لاذع لما أسماه “التعليم البنكي” (Banking Education)، ففي هذا النموذج يُنظر إلى الطلاب كأوعية فارغة، والمعلم هو “المودِع” الذي يملأ هذه الأوعية بالمعرفة التي يراها مناسبة.

هذا النوع من التعليم يعزز السلبية، ويقتل روح النقد، ويحوّل الإنسان إلى كائن قابل للتكيف مع واقع القهر بدلًا من السعي لتغييره.

يرى فريري أن التعليم البنكي يخدم مصلحة القاهرين؛ لأنه يمنع المقهورين من إدراك واقعهم كذوات فاعلة في التاريخ.

في السياق الفلسطيني، يتخذ “التعليم البنكي” بعدًا استعماريًا واضحًا.

تاريخيًا، حاول الاستعمار دومًا السيطرة على العقل الفلسطيني من خلال المناهج التعليمية، سواء عبر حذف المصطلحات الوطنية، أو تغييب الرواية التاريخية الفلسطينية، أو فرض سردية القاهر كحقيقة مطلقة.

إن محاولات “أسرلة” التعليم في القدس المحتلة، أو الضغوط الدولية لتعديل المناهج الفلسطينية لتجريدها من محتواها النضالي، هي أشكال معاصرة من “الإيداع البنكي” الذي يهدف إلى خلق “إنسان فلسطيني جديد” متصالح مع هزيمته.

المقهور في هذا السياق، كما يصفه فريري، هو من يُراد له أن يقرأ العالم بعيون قاهره، وأن يتبنى قيم القاهر كمعايير للنجاح والتحضر.

ولكن ما يميز الواقع الفلسطيني هو تلك المقاومة الفطرية والمنظمة لهذا النموذج البنكي.

فالطالب الفلسطيني، حتى في المدارس الرسمية، غالبًا ما يمارس نوعًا من “الوعي المزدوج”؛ فهو يتلقى المنهج الرسمي لينجح، ولكنه يستقي وعيه الحقيقي من الشارع، ومن حكايات الأجداد، ومن واقع الحواجز والاعتقالات والحروب.

هذا الانفصام بين “المعلومة المودعة” و”الواقع المعاش” هو الذي يُفشل مشروع التعليم البنكي الاستعماري.

يقترح فريري بديلًا ثوريًا هو “التعليم بطرح المشكلات” (Problem-posing Education). هذا النوع من التعليم يقوم على الحوار (Dialogue) والمساواة بين المعلم والمتعلم.

الهدف النهائي هو الوصول إلى “الوعي النقدي” (Conscientização)، وهو القدرة على إدراك التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واتخاذ إجراءات ضد العناصر القمعية في الواقع.

بالنسبة للفلسطيني، فإن الوعي النقدي ليس ترفًا فكريًا يمارسه الأكاديميون في قاعات الجامعات، بل هو غريزة بقاء.

إن الطفل الفلسطيني الذي يسأل معلمه: “لماذا لا نستطيع الذهاب إلى بحر يافا؟” أو “لماذا هدموا بيتنا؟” هو طفل يمارس “طرح المشكلات” بالفطرة.

التعليم التحرري في فلسطين يبدأ من هذه الأسئلة الوجودية؛ إنه التعليم الذي يربط بين درس الجغرافيا وموقع الحاجز العسكري، وبين درس التاريخ ومفتاح العودة المعلق في صدر الجدة.

فريري يؤكد أن الوعي يمر بمراحل: من الوعي “شبه المتصلب” الذي يرى المشكلات كقدر محتوم، إلى الوعي “الساذج&#8…