BBC News, عربي إذهب الى المحتوى رئيسية شاهد استمع أقسام رئيسية أخبار اقتصاد صحة وعلوم ثقافة وفنون كأس العالم 2026 تحقيقات أخبار اقتصاد صحة وعلوم ثقافة وفنون كأس العالم 2026 تحقيقات كيف تحرك النساء أحداث ملحمة "الأوديسة" لهوميروس؟ صدر الصورة، Alamy
تعد ملحمة "الأوديسة" الشعرية لهوميروس، التي يعود تاريخها إلى نحو 2800 عام، التي جرى اقتباسها حديثاً للعرض على شاشة السينما، عملاً يتجاوز بكثير كونه مجرد قصة تقليدية عن البطولة، فبطل الملحمة، أوديسيوس، رجل يتجسد فيه الطابع البطولي، بيد أن أحداث القصة تتشكل بفعل خطط ومؤامرات وإغراءات تنسجها نساء وحوريات وساحرات وإلهات يلتقي بهن بطل القصة أثناء رحلته، وذلك هو ما يضفي على القصة طابعاً إنسانياً بالغ الوضوح.
وتحكي "الأوديسة" قصة جندي يوناني أسطوري يدعى أوديسيوس يسعى إلى العودة إلى مملكته إيثاكا بعد سنوات من القتال في حرب طروادة، وتمتلئ رحلته، المحفوفة بالمخاطر، طوال عشر سنوات، بتحديات ومصاعب شديدة، وهي الرحلة التي تُعرض الشهر الجاري على شاشة السينما في اقتباس فني جديد يخرجه كريستوفر نولان، بطولة مات ديمون إلى جانب نخبة من النجوم الآخرين.
على الرغم من أن الشخصية المحورية للقصة رجل، فإن الأوديسة عمل تتصدر فيه النساء المشهد، فمسعى البطل للعودة إلى مملكته واستعادتها يتشكل في كل منعطف بفعل خطط واغراءات تصنعها نساء وحوريات وإلهات يعترضن طريقه، ومن ثم، فإن الأوديسة ليست سرداً تقليدياً لأحداث بطولية، بقدر ما هي قصة يتقاطع فيها الجنس والاستراتيجية والسلطة، ولا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير حتى يومنا هذا.
تبدأ الملحمة من قلب الأحداث، إذ يظهر أوديسيوس باكياً على ساحل جزيرة أوغيجيا، بعد قضاء سبع سنوات مع الحورية كاليبسو، وبرغم أنه برهن على بطولته في ميدان القتال خلال حرب طروادة، فإنه يبدو الآن في غاية العجز، ويزداد هذا التصور رسوخاً لأن إطلاق سراحه من الجزيرة لا يتحقق إلا بانعقاد مجلس الآلهة.
بيد أن أوديسيوس ليس أسير كاليبسو بقدر ما هو أسير ذاته، ويميل القارئ المعاصر على الأرجح إلى تشخيص حالة الجمود التي يعانيها، وعجزه عن المضي قدماً وعودته إلى وطنه، بوصفها أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأن ذلك لا ينتقص من سطوة كاليبسو عليه، فقد اعترف أوديسيوس صراحة للحورية بأن زوجته بينيلوبي لا تضاهيها جمالاً، لأنها ليست سوى امرأة من البشر ستفنى.
ولم تكن بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، سلبية طوال فترة غياب زوجها، بل قاومت ببسالة ودهاء محاولات 108 من الخاطبين احتشدوا في القصر طمعاً في الزواج منها واعتلاء عرش إيثاكا بوصفهم ملوكها الجدد، ويعد نسج بينيلوبي لكفن والد زوجها لايرتيس، ثم فكها هذا النسيج ليلاً، من أكثر مشاهد الملحمة رسوخاً في الذاكرة، فهي، إن صح التعبير، هدف متحرك، ويتوقف على نجاحها في صدّ الخاطبين جانب مباشر من قدرة أوديسيوس على استعادة عرشه.
من الدلالات المهمة في الأحداث أن أبرز مؤيدي أوديسيوس بين الآلهة كانت الإلهة أثينا، بما عُرفت به من ذكاء استراتيجي، إذ ساعدته في حرب طروادة، وكانت صاحبة المبادرة في حثه على عودته إلى وطنه، ثم عندما دفعته الأمواج إلى أرض الفياشيين، ملوك البحار، وهو في حالة ضعف، خططت بمهارة عملية لإنقاذه، كما أخفت مظاهر ضعفه، وأضفت على هيئته مزيداً من البهاء حتى بدا أشبه بإله، وجديراً بما اشتهر به الفياشيون من كرم الضيافة الأسطوري، وقد ساعده ذلك في استمالة هذا الشعب البحّار، الذي وفر له المأوى والكنوز ووسيلة عبور آمنة أعادته إلى إيثاكا.
من اللافت أن الإلهة أثينا، في معظم المرات التي ظهرت فيها لأوديسيوس وابنه تيليماخوس، كانت تتخذ هيئة رجل، إذ انتحلت، على سبيل المثال، شخصية مينتيس، وهو ملك تربطه علاقات ودية بإيثاكا، كما ظهرت في هيئة رسول لدى الفياشيين، وكانت أثينا تدرك تمام الإدراك أن الرجال هم أصحاب السلطة في العالم البشري، في حين أن النساء هن من يُوجهن مجرى الأحداث عبر الحيلة والدهاء.
ويكفي أن نتأمل الشخصيات التي يلتقي بها أوديسيوس في طريقه، فبعد أن وصل إلى أرض الفياشيين، بدا يحكي أمام مضيفيه الملكيين ما واجهه من لقاءات، بدءاً من آكلي اللوتس وانتهاء بالعملاق الأعور "سايكلوبس"، وكثيراً ما تبدو ق…
