BBC News, عربي إذهب الى المحتوى رئيسية شاهد استمع أقسام رئيسية أخبار اقتصاد صحة وعلوم ثقافة وفنون كأس العالم 2026 تحقيقات أخبار اقتصاد صحة وعلوم ثقافة وفنون كأس العالم 2026 تحقيقات من "جزيرة الشيطان" إلى ملاذ للفقمات النادرة، كيف غيّرت الطبيعة وجه جزيرة يونانية؟ صدر الصورة، George Stefanou /WWF Greece
على مدى نصف قرن، ظلت جزيرة ياروس (Gyaros) مغلقة أمام العالم، بعدما استُخدمت سجناً عسكرياً وميداناً للرماية البحرية. ثم ظهرت صورة مذهلة غيّرت كل شيء.
تكون الشمس قد ارتفعت عالياً فوق القارب السريع عندما تلوح ياروس في الأفق، ككتلة مقفرة وسط بحر إيجه.
ومع اقترابنا، يظهر مبنى ضخم من الطوب الأحمر، هو السجن الذي أكسب الجزيرة لقب "جزيرة الشيطان".
ولا تستغرق الرحلة إلى هنا سوى نصف ساعة من جزيرة سيروس، المركز الإداري لجزر كيكلادس، الواقعة إلى الجنوب الشرقي من البر اليوناني الرئيسي. ومن هناك، يمكن الإبحار في أي اتجاه للوصول إلى جزر يونانية نموذجية مثل ميكونوس أو أندروس، حيث تنتشر المنازل البيضاء على سفوح التلال كأنها مكعبات سكر انسكبت من وعاء، وتصل العبارات في مواعيدها، وتفتح الحانات أبوابها.
أما ياروس، فكأنها لم تعرف شيئاً من ذلك. فلا يرى الزائر فيها سوى الحصى الصخري والشجيرات البرية، وتبدو خالية، بل بلا حياة تقريباً. لكنها ليست كذلك.
وتعود القصة إلى واحدة من أكثر الفترات قتامة وعنفاً في تاريخ اليونان. فقد أدى نظام استبدادي، أعقبه استخدام الجزيرة في التدريبات العسكرية، إلى بقائها بعيدة عن مشاريع التنمية، فتحولت إلى أثر منسي من ماض مضطرب.
ثم، في عام 2004، أعادت صورة غير متوقعة الأنظار إلى هذا المكان الذي بدا مقفراً، لكن لأسباب مختلفة تماماً.
فقد تبيّن أن "جزيرة الشيطان" تحولت إلى ملاذ للحياة البرية، ووفرت مأوى آمناً لنوع نادر من الفقمات كان مهدداً بالانقراض آنذاك.
بلا ذكور منذ 100 ألف عام: السمكة التي أربكت نظرية التطوّر
هل الأزهار أكثر كائنات الطبيعة دهاءً ومكراً؟
صدر الصورة، Christos Papadas/ WWF Greece
يستحق الانتباه شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
لطالما ارتبطت جزيرة ياروس بالعزلة والعنف والعقاب، إذ استخدمت منفًى للسجناء السياسيين منذ العهد الروماني. غير أن أكثر فصول تاريخها وحشية بدأ عام 1948، حين صادرت الدولة اليونانية ممتلكات آخر 31 من سكانها وحولت الجزيرة إلى سجن.
وفي وقت كانت الجزر المجاورة تشيّد الفنادق الصغيرة الفاخرة، أغلقت ياروس تماماً أمام العالم الخارجي. وخلال موجتين من القمع السياسي، أرسل إليها أكثر من 20 ألف يوناني، كان معظمهم من الشيوعيين والكتّاب والطلاب والفنانين الذين احتجوا على السلطة الحاكمة.
خلال الموجة الأولى من الاعتقالات في أواخر أربعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب الأهلية اليونانية، أجبر السجناء على العيش في خيام وسط صيف قائظ وشتاء شديد البرودة، كما سُخّروا لبناء جدران السجن بالطوب بأيديهم.
وبعد فترة من التوقف، شهدت الجزيرة موجة ثانية من الاعتقالات خلال الديكتاتورية العسكرية المعروفة بحكم "العقداء"، بين عامي 1967 و1974.
ورسمياً، كانت ياروس تُقدَّم بوصفها مؤسسة إصلاحية يعاد فيها تأهيل المعارضين ليصبحوا "يونانيين حقيقيين". لكنها كانت في الواقع مكاناً للعمل القسري والتعذيب، بعيداً عن أعين المنتقدين.
وبعد سقوط المجلس العسكري عام 1974، استخدمت البحرية اليونانية الجزيرة ميداناً للقصف حتى عام 2002. وحتى اليوم، لا توجد فيها فنادق أو خطوط عبّارات أو سكان دائمون.
وهكذا، حصلت ياروس، بمحض المصادفة تقريباً، على أقوى أشكال الحماية الممكنة: غياب البشر.
بعدما أوقفت البحرية اليونانية أنشطتها في الجزيرة، بدأ الصيادون يتحدثون عن مشاهدة فقمات الراهب المتوسطية في المياه المحيطة بياروس.
ثم ظهرت الصورة التي غيّرت كل شيء. فقد التقطها صياد هاوٍ يستخدم بندقية صيد بالرمح في مطلع الألفية، وأظهرت أنثى من فقمات الراهب وصغيرها مستلقيين على شاطئ مكشوف في وضح النهار، في مشهد كان قد اختفى تقريباً من البحر المتوسط.
ويقول عالم الأحياء بانوس ديندرينوس، من الجمعية اليونانية لدرا…
