تعليمي

حين تقرأ فيك لا فيه، إسقاط البنية على النص القرآني وخطر النموذج المستعار

مدخل: تخيل رجلاً دخل بستاناً يحمل في يده قائمة بأسماء فواكه يبحث عنها، فكلما رأى شجرة توقف وتساءل: “هل هي ما أبحث عنه؟” وكلما وجد تشابهاً ولو بعيداً أشار بزهو...

AAdmin
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
3 دقيقة قراءة
حين تقرأ فيك لا فيه، إسقاط البنية على النص القرآني وخطر النموذج المستعار

د.أيمن أصلان 2026/07/24 إرشادات , رأي 151 زيارة

تخيل رجلاً دخل بستاناً يحمل في يده قائمة بأسماء فواكه يبحث عنها، فكلما رأى شجرة توقف وتساءل: “ هل هي ما أبحث عنه ؟” وكلما وجد تشابهاً ولو بعيداً أشار بزهو قائلاً: “ وجدتها! ” في نهاية اليوم عاد وهو يظن أنه تجول في البستان وعرفه، بينما هو في الحقيقة لم يرَ البستان أبداً؛ بل رأى قائمته فحسب.

هذا بالضبط ما يحدث حين يأتي القارئ إلى النص القرآني حاملاً نموذجاً جاهزاً في ذهنه؛ تصنيفاً، أو هرماً، أو نظرية، ثم يشرع في البحث عنه بين الآيات، سيجده بالطبع، لأنه هو من وضع معيار “ الإيجاد ” ثم يعلن أنه اكتشف شيئاً في القرآن، والحقيقة أنه لم يكتشف إلا ما أحضره معه.

هذه المعضلة تُسمى: إسقاط البنية على النص ، وهي ليست تهمة أخلاقية لأصحابها، فبينهم مخلصون ومتعلمون، لكنها خطأ منهجي صامت يُفسد القراءة من جذورها، وأخطر صورها حين يلتقي مفهوم مستورد بكلمة في النص تشبهه لفظاً، فيتوهم القارئ أنه أمام تطابق، بينما هو أمام فخ، إن هذه الأطر ليست محايدة، بل هي نتاج نموذج حضاري مغاير، وإسقاطها يمثل خطراً وجودياً يتجاوز مجرد الخطأ المنهجي.

كل قارئ يحمل قبل أن يفتح الصفحة الأولى ما يمكن تسميته مصفوفة توقع؛ وهي مجموعة المفاهيم والتصنيفات التي تحدد ما يلاحظه وما يتجاوزه، هذا أمر طبيعي، فلا يوجد قارئ متجرد كلياً من خلفيته، لكن ثمة فارق جوهري بين نموذجين من القراء:

وعلامة الفارق بسيطة: هل فاجأك النص؟ هل أربكك؟ هل خرجت بسؤال لم يكن عندك؟ إن كانت الإجابة “لا”، وكان كل شيء قد جاء وفق توقعك، فأعد النظر؛ لعلك لم تقرأ النص، بل قرأت نفسك من خلاله.

في عام 1956، نشر عالم النفس التربوي بنيامين بلوم تصنيفاً للأهداف المعرفية يُعرف بـ “ هرم بلوم ” يتدرج الهرم من القاعدة إلى القمة عبر ست مراحل: (التذكر، الفهم، التطبيق، التحليل، التقييم، الإبداع) الفكرة المحورية هنا هي أن التذكر أدنى العمليات المعرفية والإبداع أعلاها. الهرم أداة “براغماتية” نشأت لغرض محدد: تصميم المناهج وقياس مخرجات التعلم في الفصول الأكاديمية.

ثم جاء من يحمل هذا الهرم إلى القرآن، فيقرأ “ فاذكروا الله ” و” اذكر ربك ” فيضعهما في قاع الهرم، ويقرأ “ أفلا تعقلون ” فيضعها في أعلاه، ثم يبني خريطة للعمليات المعرفية وفق مستويات بلوم، مدعياً أن القرآن يسبق بلوم بقرون! والحقيقة أنه لم يكتشف شيئاً، بل أسقط بلوم على القرآن ثم أعاد استخراجه منه.

تكمن الخطورة هنا في أن الخطأ مموه بـالتشابه اللفظي. كلمة “التذكر” موجودة عند بلوم وفي القرآن، لكن البون بينهما شاسع:

حين يقول القرآن: “ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” نجد أن الطمأنينة (وهي ذروة إنسانية) مرتبطة بالذكر، بينما في هرم بلوم، التذكر هو القاع. هذا التباين وحده يكفي لإثبات أن النموذجين ينتميان لعالمين مختلفين تماماً.

حين يُسقط هرم بلوم على القرآن، يُهرّب معه نظام كامل من المفاهيم: يُهرّب مفهوم “ الإنسان الصفر ” بدلاً من “ إنسان الفطرة “، وتُهرّب “ المعرفة المتجاوزة ” بدلاً من “ الحق الثابت “، ويُدرج النص القرآني ضمن النصوص البشرية القابلة للتطوير، كل هذا يحدث تحت مظلة التشابه اللفظي، دون أن ينتبه القارئ لهذا الاختراق المفاهيمي.

الأطر المستعارة ليست مجرد أدوات محايدة، هي نتاج رؤية ترى العقل البشري مرجعاً أعلى والتقدم تجاوزاً للموروث، حين نُخضع نصنا لهذه المعايير نرتكب خطأً وجودياً؛ لأننا نقيسه بمسطرة لم تُصنع له، فنراه “قديماً” أو “ناقصاً” بناءً على معايير النموذج الغربي.

الخطر الوجودي هو فقدان أداة التفكير الأصيلة، فالأداة تنقل معها “السؤال” وحين يكون سؤالك مصاغاً بلغة نموذج آخر لن تصل أبداً إلى إجابات نصك الحقيقي، هذا هو الاستعمار الحقيقي: احتلال السؤال لا الأرض.

الحل ليس في العزلة، بل في إعادة ترتيب العلاقة، بدلاً من استيراد الأداة نذهب للنص ونسأله عن أدواته، نستنبط منه رؤيته للإنسان، والمعر…