د. محمد إسحق السلطي 2026/07/25 رأي 72 زيارة
يشهد العالم اليوم واحدة من أبشع المجازر البشرية على مر التاريخ، شعبُ أعزل يتعرض للقتل والتشريد والتنكيل، إلا أنه متشبثُ بالحياة كما يتشبثُ بأرضه، فلا هو يبرح مكانه ولا هو يترك مقومات صموده المتمثلة بتربية النشء وإخراج جيل متعلم ربما يكون شعلة في طريق التحرير المُظلم، فمن صِلصال الأرضِ يصنع سبورةً وقلماً يعود بهما من بعيد، فبرغم كل الأزمات والواقع المأساوي الذي يمر به نظام التعليم العالي الفلسطيني إلا أنه يكافح للنهوض من جديد وإكمال المسيرة.
فقد وضعت إسرائيل المنشآت المدنية كافة في مرمى نيران أسلحتها، وكانت المنشآت التعليمية هدفاً مركزياً للإبادة الإسرائيلية، فكان نصيب المدارس والجامعات الحصة الأكبر من الاستهدافات من بين المنشآت المدنية كافة، وقد أثرت حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال الصهيوني في أكتوبر 2023م سلباً على قطاع التعليم بجميع مكوناته وعناصره، فقد تم تدمير أكثر من 90% من المؤسسات التعليمية بقطاع غزة ما بين تدمير كلي أو أضرار بليغة بالبنية التحتية لهذه المؤسسات، حيث تعرضت أكثر من 19 مؤسسة تعليم عالي لأضرار بالغة، وتدمر أكثر من 31 مبنى تابعاً للجامعات بشكل كامل، وتدمر نحو 55 مبنى بشكل جزئي من بينها مبانٍ لجامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية، والقدس المفتوحة، وجامعة الأقصى حيث تُقدر الخسائر المادية في قطاع التعليم ب720 مليون دولار.
أما على صعيد الخسائر البشرية لمنظومة التعليم العالي فقد بلغ عدد شهداء الكوادر التربوية في الجامعات (95) شهيداً، من بينهم رؤساء ثلاث جامعات، ونحو 1060 جريحاً، أما على صعيد طلبة الجامعات فقد ارتقى قرابة 1000 شهيد، وأكثر من 5000 جريح، هذا بالإضافة إلى العدد الكبير من المعتقلين الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة وتعذيب وحشي في سجون الاحتلال.
ومنذ اليوم الأول للحرب على غزة توقفت منظومة التعليم العالي، وفقد جميع الطلبة قدرتهم على استكمال تعليمهم جراء إغلاق الجامعات نتيجة الخطر الشديد واشتداد القصف والتدمير، وظل التعليم العالي متوقفاً بشكل كلي قرابة ثمانية أشهر.
رغم التعقيد الكبير والخطر المستمر، انطلق عدد محدود ولكن مهم من المبادرات الشعبية والرسمية لمساعدة طلبة الجامعات على استئناف مسيرتهم التعليمية بعد اطلاق جامعتي النجاح الوطنية وبيرزيت الواقعتان في الضفة الغربية مبادرات في غاية الأهمية.
حيث أطلقت جامعة بيرزيت مبادرة بعنوان “إعادة الأمل” لدعم وتعزيز التعليم العالي في قطاع غزة، وهي مبادرة تنطلق من “رؤية قائمة على مفهومين: (المؤازرة)، أي المساندة من خلال العمل المشترك مع مؤسسات التعليم العالي في قطاع غزة لتوفير ما أمكن للجامعات والأكاديميين والطلبة للعودة إلى لعب دورهم المجتمعي وتحقيق حقهم في التعليم، و(إعادة الأمل) عبر إعادة بناء حياة ممكنة وواقعية في غزة رغم ما حل بها من دمار إبادة، وتقوم المبادرة على ثلاثة تدخلات مركزية:
أولاً: البنية التحتية والتعاضد المؤسساتي، الذي يهدف إلى توفير الموارد لدعم البنية التحتية المؤسساتية، ومساندة الباحثين والطلبة في الوصول إلى مصادر المعرفة الضرورية لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية، وذلك بالتنسيق مع المؤسسات الأكاديمية في القطاع.
ثانياً : التعليم الجامعي بالاتفاق مع جامعات القطاع، وينطوي على توفير الكادر التربوي من ناحية، وبناء البنية التحتية لجعل التعليم عن بُعد لطلبة القطاع وتجهيز الجامعة لإمكانية استقبال جزء من طلبة القطاع حضورياً في جامعة بيرزيت في تخصصات محددة بعد توقف الحرب.
ثالثاً : البحث التحويلي من خلال الشراكات بين باحثي جامعة بيرزيت والجامعات العالمية وباحثي الجامعات في القطاع في أبحاث ودراسات تجيب على أو تُسائل الواقع التي أنتجه العدوان الإبادي بحيث تكون منبثقة من أولويات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.
وتتميز هذه المبادرة بكونها مبادرة طوعية بالكامل، أي أن التربويين المشاركين فيها لن يتلقوا أي مقابل مالي، والطلبة أنفسهم لن يُطلب منهم دفع أي رسوم، وشارك في هذه المبادرة 140 أستاذاً متطوعاً من جامعة بيرزيت، ومن جامعات القطاع، بينما وصل عدد الطلبة المسجلين 10000 طالب، وتوفر المبادرة 155 مساقاً.…
