تُعد القرارات المالية التي يتخذها الأفراد، من أكثر العوامل تأثيراً في مستقبلهم الاقتصادي، إذ قد يساهم قرار واحد في بناء الثروة وتحقيق الاستقرار، بينما قد يقود قرار آخر إلى سنوات من الضغوط والالتزامات المالية.
ومن بين كافة القرارات المالية التي يواجهها الأفراد، يبرز قرار الاقتراض كأحد أكثر الخيارات حساسية وإثارة للجدل، إذ يقترن مفهومه غالباً بالتعثر والالتزامات المالية المرهقة، وهو ما ساهم في ترسيخ قناعة لدى كثيرين بأن الديون عدو الثروة.
إلا أن الواقع الاقتصادي يستدعي التحرر من هذه النظرة المطلقة، فليست كل الديون سيئة، حيث أن تجنب الاقتراض ليس دائماً الخيار الأمثل، ففي عالم المال والأعمال، تعتمد كبرى الشركات على الاقتراض لتوسيع استثماراتها، كما تلجأ الحكومات إلى إصدار السندات لتمويل البنية التحتية، وحتى على المستوى الشخصي، قد يكون القرض وسيلة لتحقيق أهداف يصعب الوصول إليها بالادخار وحده.
ومع ذلك، فإن المسار الذي يأخذه الدين إما كرافعة مالية أو كعبء، يتحدد عند نقطة واحدة وهي كيفية استخدام الأموال المقترضة، فالقرض في حد ذاته ليس مشكلة، بل العبرة دائماً بالغاية منه وطريقة إدارته، فعندما يتم استخدام الأموال التي تم اقتراضها لشراء سلعة استهلاكية تفقد قيمتها سريعاً، أو لتمويل نمط حياة يفوق الإمكانات المالية المتوفرة، فإن القرض غالباً ما يتحول إلى عبء طويل الأمد، أما إذا كان موجهاً نحو أصل يحقق عائداً مالياً، فقد يكون وسيلة لبناء الاستقرار المالي وليس العكس.
وبحسب آراء العديد من خبراء الاقتصاد والتمويل الشخصي التي اطلع عليها موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن هناك عدة حالات يعتبر فيها الاقتراض خياراً مالياً منطقياً، من أبرزها:
يُعد التمويل العقاري من أكثر أنواع القروض المقبولة اقتصادياً، خصوصاً عندما يكون القسط الشهري قريباً من قيمة الإيجار، أو عندما تكون العقارات في منطقة مرشحة للنمو. فالمنزل قد يتحول إلى أصل ترتفع قيمته مع مرور السنوات، بدلاً من دفع إيجار لا يعود على صاحبه بأي ملكية.
يعتبر الكثير من الخبراء أن التعليم أحد أفضل الاستثمارات طويلة الأجل، حيث أن الاقتراض لتمويل دراسة جامعية أو شهادة مهنية أو برنامج تدريبي، يرفع من فرص الحصول على وظيفة ذات دخل أعلى، ليتحول الدين هنا إلى استثمار حيوي يحقق عائداً يفوق تكلفة القرض نفسه.
قد يكون القرض وسيلة للانطلاق في مشروع ناجح، شرط وجود دراسة جدوى حقيقية وخطة مالية واضحة، فالتمويل في هذه الحالة لا يهدف إلى الاستهلاك، بل إلى إنشاء مصدر دخل قادر على تغطية الأقساط وتحقيق أرباح مستقبلية. ولكن هذا النوع من الاقتراض يبقى من أكثر الأنواع التي تتطلب دراسة دقيقة للمخاطر.
في بعض الحالات، قد يكون الاقتراض الجديد وسيلة لتقليل الأعباء المالية ، وذلك من خلال سداد قروض مرتفعة الفائدة بقرض واحد أقل تكلفة، حيث تساعد هذه الخطوة على تخفيض الأقساط الشهرية وتحسين إدارة التدفقات النقدية.
في المقابل، هناك حالات يحذر منها خبراء التمويل، لأنها غالباً ما تقود إلى ضغوط مالية متزايدة، من أبرزها، الاقتراض لشراء كماليات وتمويل السفر أو المناسبات الاجتماعية، شراء سيارات باهظة الثمن تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها سريعاً، استخدام بطاقات الائتمان لسداد مصروفات يومية مع تراكم الفوائد، إضافة إلى الاقتراض لسداد قروض سابقة دون معالجة أصل المشكلة المالية.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الاقتراض حلاً للمشكلة، بل وسيلة لتأجيلها، إذ يتحول الدين إلى عبء يتراكم مع مرور الوقت بدلاً من أن يساهم في تحسين الوضع المالي، ولذلك ينصح خبراء التمويل بعدم الإقدام على أي قرض قبل الإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة الأساسية، مثل: هل سيؤدي القرض إلى تحقيق دخل إضافي أو زيادة قيمة أصولي؟ هل أستطيع الالتزام بسداد أقساط القرض حتى في حال تراجع دخلي بشكل مؤقت؟ هل تتناسب تكلفة فائدة القرض مع العائد المتوقع من الاقتراض؟ هل يوجد بديل أقل تكلفة من هذا القرض؟
ويقول خبير المحاسبة زهير حماصيني، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن المشكلة لا تكمن في القروض بحد ذاتها، بل في الثقافة المالية لدى المقترضين وآلية اتخاذ قرار الاستدانة، فالاقتراض ليس أداة جيدة أو…
