تعليمي

النحو النفسي في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها نماذج من القرآن والعربية المعاصرة

كنت قد نشرت في إبريل من عام 2017 مقالة قصيرة بعنوان “النحو الموضوعي” في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها، محاولةً مني لجمع شتات الموضوع الواحد الذي فرقته الحركة الإعرابية بحسب...

AAdmin
١ أغسطس ٢٠٢٦
3 دقيقة قراءة
النحو النفسي في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها نماذج من القرآن والعربية المعاصرة

د. خالد حسين أحمد أبو عمشة 2026/08/01 إرشادات , مفاهيم 1 زيارة

كنت قد نشرت في إبريل من عام 2017 مقالة قصيرة بعنوان “النحو الموضوعي” في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها ، محاولةً مني لجمع شتات الموضوع الواحد الذي فرقته الحركة الإعرابية بحسب تقسميات النحويين القدماء رحمات الله تتنزل عليهم، وذلك بغية الاقتراب من حاجات المتعلمين وتسهيل معاني النحو لهم من جهة ومقاربة النحو العربي بوصفه أداةً لفهم المعنى وتنظيم الرؤية لا مجرد منظومة من القواعد الجامدة والأحكام الإعرابية المعزولة عن السياق والإنسان خاصة بعد قرابة عقدين من الزمن من التّدريس والـتأليف والتدريب، وتلمس حاجات الدارسين وغاياتهم. وقد لاقت تلك المقالة حينها قبولاً حسنًا لدى عدد من المهتمين والباحثين في المجال. وعرفت فيما بعد – آنذاك بعيد نشر المقالة- أنّ أستاذنا الكبير وصديقنا العزيز وحبيبنا الغالي الدكتور محمد محمد يونس، العالم اللساني المعروف، قد نشر طرحًا قريبًا في روحه واتجاهه تحت عنوان “النحو التعبيري”. وأشهد – مرة أخرى- بكل شفافية وصدق أنني لم أكن قد اطّلعت على عمله قبل كتابة مقالتي، وقد دار بيننا لاحقًا مناقشة علمية راقية حول الموضوع وتقاطعاتنا الفكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت حوارات ثرية تؤكد أن الأفكار الكبرى كثيرًا ما تتولد من حاجات علمية مشتركة وتجارب عملية تطبيقية، ومن شعور متقارب نظري لساني بضرورة تجديد النظر إلى اللغة ووظائفها.

واليوم يسرّني أن أقدّم فكرة جديدة أخرى وتصورًا حديثًا مغايرا أحاول من خلاله استكشاف جانب آخر من العلاقة بين اللغة والإنسان، وذلك تحت عنوان “النحو النفسي” في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها. ويقوم هذا التصور على النظر إلى البنية النحوية من زاوية أثرها النفسي والإدراكي في المتعلم، وعلى محاولة فهم كيف يتفاعل العقل والوجدان مع الأنماط والتراكيب النحوية في أثناء الاكتساب والاستعمال والتفاعل والتواصل والإنتاج اللغوي، مؤمّلًا ألّا أكون قد بالغت في الطرح، ولا جاوزت حدّ البوح، وألا يكون هذا الحديث من ترفَ الكلام، وما يختلج في النفس حين يضيق الصمت، ويتّسع الشعور، وقد قلّبت الشابكة قدر مُكنتي واستطاعتي باحثًا عن هذا المصطلح فلم أقف – فيما وصلت إليه – على استعمال سابق له بهذا التحديد، فإن وُجد فأنا أول المسرورين بمعرفته والاطلاع عليه، إذ إن المعرفة العلمية لا تزدهر بالادعاء بل بالحوار والتراكم والتكامل.

وقمين بالقول بأن هذه الفكرة قد تفتقت وانبثقت وتخلقت وتولدت وتبلورت في ذهني بصورتها الأولية وبدأت تتشكل ملامحها الأولى في أثناء كتابة بحث “من الإدراك إلى الإنجاز كيف يخدم فهم الأنماط الإدراكية تعليم العربية؟” الذي قدّمته في مؤتمر الجامعة الأمريكية بالقاهرة أواخر السنة الماضية. ففي أثناء التأمل في علاقة اللغة بالإدراك وطرائق التعلّم والانتباه والتفاعل الذهني مع التراكيب، بدأت ألاحظ أن كثيرًا من الظواهر النحوية لا يمكن تفسيرها تفسيرًا كاملاً إذا عُزلت عن البعد النفسي والشعوري للمتكلم والمتلقي. ومن هناك بدأت فكرة “النحو النفسي” تتسلل تدريجيًا إلى تفكيري، لا بوصفها محاولة لإعادة تسمية النحو، بل بوصفها محاولة لفهم الجانب الإنساني العميق الكامن خلف اختيار التراكيب والأساليب، وكيف تتحول الحالات النفسية والانفعالات والمواقف الإدراكية إلى صيغ لغوية محسوسة داخل الخطاب العربي، ترافق ذلك مع ما كنت أقدمه وارشحه وابينه من ظلال نفسية ومحاولات للتفريق بين التراكيب اللغوية المختلفة للدارسين.

ويمكن القول الآن، وبكل بساطة بأنه مدخل تعليمي ينظر إلى القواعد النحوية بوصفها عمليات ذهنية ونفسية مرتبطة بإدراك المتعلم وفهمه واستجابته الانفعالية والتواصلية، لا بوصفها أنظمة شكلية مستقلة عن تجربة التعلم. ويقوم هذا المدخل على دراسة أثر البنية النحوية في شعور المتعلم بالوضوح أو التعقيد، وفي مستوى الطمأنينة اللغوية أو القلق اللغوي، وفي قدرته على المعالجة والاستعمال التلقائي في أثناء التواصل. وإجرائيًا أعرَّف ” النحو النفسي “ بأنه: طريقة في تنظيم وتقديم القواعد العربية وتعليمها بحيث تراعي الحمل المعرفي و…