مع انطلاق كأس العالم 2026، لم تكن كرة القدم وحدها هي التي تصدرت العناوين. فقبل أن تكتمل الجولة الأولى من المباريات، وجدت البطولة نفسها في قلب جدل سياسي ودبلوماسي يتعلق بالتأشيرات والهجرة، وهو جدل يرى كثيرون أن جذوره تعود إلى سنوات من العلاقة الوثيقة التي بناها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
مشجعون إيرانيون يحاولون الوصول لمنتخب بلادهم (رويترز)
بالنسبة لكثير من المتابعين، لم تكن المؤشرات غائبة. فقد بدأت منذ الأيام الأولى لعودة ترمب إلى البيت الأبيض، عندما وقع أمراً تنفيذياً حمل عنوان «حماية الشعب الأميركي من الغزو»، تبعته سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالهجرة والسفر.
وبحسب شبكة The Athletic, شملت تلك الإجراءات قيوداً على مواطني عدد من الدول، خصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا، ومتطلبات مالية جديدة لبعض طلبات التأشيرات السياحية والتجارية، إضافة إلى تشديد إجراءات التدقيق على القادمين من عشرات الدول.
لذلك لم يكن مستغرباً لدى كثيرين أن تشهد الأيام الأولى من كأس العالم قصصاً تتعلق برفض دخول بعض الأشخاص المرتبطين بالبطولة، أو الصعوبات التي واجهها صحافيون ومشجعون ومسؤولون في الحصول على التأشيرات اللازمة.
ومن بين أبرز الوقائع التي أثارت الجدل، منع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة بعد وصوله إلى مطار ميامي الدولي رغم امتلاكه تأشيرة رسمية للمشاركة في البطولة. كما تحدثت تقارير عن صعوبات واجهها عدد من الصحافيين الإيرانيين والأفارقة في الحصول على التأشيرات، في حين قرر المنتخب الإيراني نقل معسكره التدريبي الأساسي إلى المكسيك بدلاً من الولايات المتحدة.
وترى شبكة «The Athletic» أن المشكلة لم تكن فقط في السياسات الأميركية، بل أيضاً في الطريقة التي تعامل بها إنفانتينو مع الملف خلال السنوات الماضية.
ففي أكثر من مناسبة، حاول رئيس «فيفا» طمأنة الجماهير والاتحادات الوطنية والإعلاميين بأن الجميع سيكون موضع ترحيب خلال كأس العالم.
وخلال مؤتمر الاتحاد الدولي في باراغواي عام 2025، الذي وصل إليه متأخراً بعد مشاركته في جولة مع ترمب في الشرق الأوسط، أكد إنفانتينو أن «العالم كله مرحب به في أميركا».
وقال حينها إن اللاعبين والمسؤولين والمشجعين سيكونون موضع ترحيب، مضيفاً أن هذه الرسالة لا تصدر منه شخصياً بل من الحكومة الأميركية نفسها.
لكن مع اقتراب البطولة بدأت هذه التأكيدات تواجه اختباراً عملياً.
جندي مكسيكي يحمل رشاشاً وسط حماية أمنية مشددة في مكسيكو سيتي (أ.ف.ب)
وخلال صيف 2025، خاطبه صحافي من جنوب أفريقيا قائلاً إن كثيراً من الأفارقة لا يشعرون بأنهم مرحب بهم في الدولة المستضيفة، وإن مسؤولية «فيفا» تكمن في ضمان ألا يشعر أي شخص بأنه مواطن من الدرجة الثانية.
ورد إنفانتينو آنذاك بأن الجميع سيكون موضع ترحيب في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مؤكداً أن عملية الدخول ستكون سلسة وأن المنتخبات المتأهلة وجماهيرها ستتمكن من الحضور.
لكن الوقائع التي شهدتها الأشهر الأخيرة وضعت تلك التصريحات تحت المجهر.
وبحسب التقرير فإن القضية تتعلق أولاً وأخيراً بالسياسة الأميركية، وأن «فيفا» لا يتحمل مسؤولية قرارات التأشيرات أو الدخول إلى الأراضي الأميركية.
ومع ذلك، وجدت المنظمة نفسها في قلب الأزمة بسبب النهج الذي اتبعه إنفانتينو شخصياً، والذي يعتمد غالباً على إطلاق وعود كبيرة وتقديم نفسه بوصفه قادراً على ضمان أمور لا يملك السيطرة عليها بشكل كامل.
إنفانتينو وقع في حرج شديد من السياسات الأميركية (أ.ف.ب)
ومع ظهور المشكلات، بدأت أصوات داخل «فيفا» تقلل من مسؤولية الاتحاد الدولي، متسائلة كيف يمكن لمنظمة رياضية أن تفرض على دولة ذات سيادة من تسمح له بالدخول أو تمنعه.
غير أن هذا الخطاب بدا متناقضاً مع الصورة التي حاول إنفانتينو ترسيخها لسنوات، حيث يقدم «فيفا» باعتباره قوة عالمية قادرة على توحيد الشعوب، وهو ما تعكسه العبارة الرسمية للاتحاد: «كرة القدم توحد العالم».
وخلال الولاية الثانية لترمب، ظهر إنفانتينو في البيت الأبيض أكثر من أي زعيم سياسي عالمي تقريباً.
وحضر فعاليات سياسية مرتبطة بترمب، وافتتح «فيفا» مكتباً داخل برج ترمب في مانهاتن، ما يعني عملياً أن الاتحاد الدولي أصبح مستأجراً لدى مؤسسة تابعة لعائلة الرئيس الأميركي.
كما احتضن مكتب ترمب مناسبات مرتبطة بكأس العالم وكأس العالم للأندية، بينما نقل إنفانتينو قرعة البطولة من لاس فيغاس إلى مركز كينيدي في واشنطن بعد أن أصبح المركز تحت إدارة شخصيات مقربة من ترمب.
وخلال مراسم القرعة، استعان «فيفا» بالمغني الإيطالي أندريا بوتشيلي، ومنح ترمب جائزة للسلام، كما شهد الحفل أداء أغنية «واي إم سي إيه» التي أصبحت مرتبطة بالحملات السياسية لترمب.
وبحسب التقرير فإن كل هذه المؤشرات رسمت صورة لعلاقة استثنائية بين الرجلين، وهو ما يجعل من الصعب على «فيفا» الآن تقديم نفسه باعتباره مجرد ضيف محايد لا يملك أي تأثير أو مسؤولية.
مشجع إيراني يحمل علم بلاده وسط مرور جنديين مكسيكيين (رويترز)
كما أن «فيفا» يطلب عادة ضمانات واضحة من الدول المستضيفة بشأن حرية حركة المشاركين والجماهير خلال البطولات.
وتستعيد في هذا السياق رسالة بعث بها ترمب إلى إنفانتينو عام 2018 أثناء عملية الترشح لاستضافة كأس العالم، أكد فيها ثقته بأن جميع اللاعبين والمسؤولين والمشجعين المؤهلين سيتمكنون من دخول الولايات المتحدة دون تمييز. لكن التحديات المتعلقة بالتأشيرات لم تبدأ مع ترمب وحده.
فحتى خلال العام الأخير من إدارة جو بايدن، كانت هناك مشكلات تتعلق بطول فترات الانتظار للحصول على مواعيد المقابلات الخاصة بالتأشيرات.
وأعربت المدن المستضيفة وقطاع السفر عن مخاوف متزايدة من هذه التأخيرات، ما دفع الكونغرس إلى تخصيص 50 مليون دولار لتقليص التراكم في الطلبات.
و اقترح فيفا إنشاء نظام موحد شبيه بمنطقة شنغن الأوروبية يتيح للمشجعين التنقل بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بتأشيرة واحدة.
احتراز…
