شيرين محمد جمعة عوكل 2026/09/09 دراسات 27 زيارة
وفق ما أعلنته التقارير المتصلة بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية فإن 650 ألف طالب تقريبا قد فقدوا مقاعدهم الدراسية وحقهم في التعليم ما بين العامين 2025 – 2026. لقد كان هذا نتيجة مباشرة للحرب المفروضة على غزة والتي أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من العائلات عن بيوتها، وتدمير 204 مؤسسة تعليمية بينهما 14 حرم جامعي تدميرا كاملا و392 مدرسة تدميرا جزئيا. وما يزال نحو 55% من أراضي قطاع غزة تحت الاحتلال وما يعرف ب”المنطقة الصفراء”.
إزاء ذلك وجدت الهيئة التعليمة التي تدار شئون التعليم في غزة نفسها أمام تحديات خطيرة تمثل التحدي الأول والأبرز في “إعادة تعريف المساحة التعليمية”؛ فمع خروج غالبية المدارس عن الخدمة وتحول ما تبقى منها إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، اضطرت الهيئة التعليمية للبحث عن بدائل قسرية مثل “خيام التعليم” والمبادرات التطوعية في الساحات العامة. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بواقع “المناطق الصفراء” والقيود المفروضة على الحركة، مما جعل الوصول إلى المعلمين والطلبة في تلك المناطق عملية محفوفة بالمخاطر. علاوة على ذلك، واجهت الهيئة معضلة تقنية خانقة عند محاولة تفعيل “التعليم عن بُعد” كخيار بديل، نظراً لانهيار البنية التحتية لشبكات الاتصالات والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، مما عمّق الفجوة الرقمية وحرم آلاف الطلبة في مراكز النزوح من حقهم في مواصلة التحصيل العلمي الأدنى.
كذلك برزت “أزمة الفقد البشري والترميم النفسي” كعائق لا يقل خطورة عن تدمير المباني. ففقدان مئات الأكاديميين والمعلمين ذوي الخبرة خلق فراغاً معرفياً هائلاً يصعب تعويضه على المدى القريب، ناهيك عن الحالة النفسية للطلبة الناجين الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة جراء التهجير المتكرر وفقدان ذويهم. هذا الواقع وضع جهات الإشراف التربوي أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهي مطالبة بابتكار “مناهج الطوارئ” التي تدمج بين التعليم الأساسي والدعم النفسي المكثف، في محاولة لمنع “تجهيل” جيل كامل بات يرى في البقاء على قيد الحياة غاية تسبق الجلوس على مقاعد الدراسة، مما يهدد بآثار اجتماعية وتنموية بعيدة المدى قد تمتد لعقود.
حتى أولئك الذين بقوا على قيد الحياة من الأساتذة والطلبة فلم تعد طموحاتهم وأولوياتهم وأهدافهم كما كانت قبل الحرب. كل شيء يشي أن الطالب عبد الرحمن أو الطالبة أفنان قبل السابع من أكتوبر 2023 ليسا هم أحمد وأفنان بعد السابع من أكتوبر. لقد تحولت بوصلة الطموح من التخطيط لمستقبل مهني مشرق أو الحصول على درجات عليا في تخصصات دقيقة، إلى “طموحات آنية” تتمحور حول البقاء وتأمين أدنى مقومات الحياة. عبد الرحمن، الذي كان يطمح لأن يكون مهندساً يطور برمجيات ذكية، بات اليوم يكرس ذكاءه في ابتكار حلول بدائية للحصول على المياه أو تأمين بدائل للطاقة في خيمته، وأفنان التي كانت تحضر لرسالة الماجستير، أصبحت كلماتها اليوم توثيقاً لرحلات النزوح المتكررة بدلاً من نقد النصوص العلمية. هذا التغير ليس مجرد تبدل في الاهتمامات، بل هو انكسار في الخط الزمني للشخصية؛ حيث طغت غريزة البقاء على “الذات الأكاديمية”، وأصبح الحلم بالدراسة أو التميز المهني ترفاً بعيد المنال أمام هاجس الحفاظ على الحياة وتماسك الأسرة.
أما على الصعيد الوجودي، فقد فقدت العملية التعليمية بالنسبة لهما صبغتها التقليدية كمسار للتطور الروتيني؛ فالمدرسة والجامعة لم تعدا مجرد جدران ومناهج، بل تحولتا في ذاكرتهما إلى “أطلال للآمال” الموءودة وشواهد على فقدان الزملاء والأساتذة. لقد أدرك الطالب والأستاذ على حد سواء أن المعرفة لم تعد تُقاس بمدى استيعاب الكتب، بل بمدى القدرة على الصمود في وجه محاولات “التجهيل” القسري. فبعد السابع من أكتوبر، أصبح الإصرار على التعليم فعلاً من أفعال المقاومة الوجودية، وانتقلت الأهداف من “النجاح الدراسي” التقليدي إلى “استرداد الهوية” ومنع الاندثار المعرفي. لم يعد التعليم وسيلة للارتقاء الوظيفي فحسب، بل صار محاولة لترمي…
