Educational

من باولو فريري إلى مخيمات اللجوء: تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن

من باولو فريري إلى مخيمات اللجوء: تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن

AAdmin
October 8, 2026
3 min read
من باولو فريري إلى مخيمات اللجوء: تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن

سحر معين درويش 2026/10/08 دراسات 19 زيارة

لم يكن التعليم الشعبي، كما صاغه باولو فريري في ستينيات القرن العشرين، مجرد طريقة بديلة للتدريس، بل كان فلسفة وجودية للتحرر. ففي كتابه ”Pedagogy of the Oppressed” (1970)، رأى فريري أن التعليم التقليدي القائم على “نموذج الإيداع البنكي” – حيث يُلقن المعلّم المتعلّم معلومات جاهزة – يعيد إنتاج علاقات الهيمنة والاضطهاد. بالمقابل، دعا إلى تعليم حواري يعتمد على وعي المتعلمين بواقعهم، وقدرتهم على تحويله (Freire, 1970). في هذا النموذج، تتحول العلاقة بين المعلّم والمتعلّم إلى علاقة أفقية، يصبح فيها التعليم فضاءً للديمقراطية والممارسة التحررية.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: كيف يمكن لهذه الرؤية أن تتجسد في أكثر السياقات العربية قسوة، أي في مخيمات اللجوء والنزوح، حيث تنهار المؤسسات، وتندر الموارد، وتتفاقم الصدمات؟ هذا المقال يحاول تتبع تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن، من خلال تحليل تجارب موثقة في دول عربية متعددة، مسلطًا الضوء على ممارسات مقاومة وإبداع تعيد تعريف المعنى الحقيقي للتعليم.

يؤسس فريري تعليمه على مفهومين محوريين: “الوعي النقدي” (conscientização) و”الحوارية”. فالوعي النقدي ليس مجرد معرفة بالحقائق، بل هو قدرة على تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ثم الشروع في تغييرها (Freire, 1973). أما الحوارية، فتعني أن العلاقة بين المعلّم والمتعلّم تصبح علاقة أفقية يتعلم فيها الجميع من الجميع (Freire, 1970). في هذا الإطار، يصبح الفصل الدراسي (أو أي فضاء تعليمي) مختبرًا للديمقراطية والممارسة التحررية.

لكن تطبيق هذه الرؤية في سياقات مستقرة نسبيًا صعب، فكيف الحال في مخيمات اللجوء؟ المفارقة أن الظروف القصوى قد تخلق أرضًا خصبة للتعليم الشعبي، ليس رغمًا عنها بل بسببها. فعندما تغيب المركزية والرقابة الرسمية، وعندما تصبح الحاجة ملحة لفهم الواقع القمعي من أجل البقاء، يضطر المعلمون والمتعلمون إلى ابتكار ممارسات تعليمية تضع التجربة الحية في القلب.

في لبنان، حيث يعيش أكبر عدد من اللاجئين السوريين بالنسبة لعدد السكان، يواجه الأطفال تحديات هائلة في الوصول إلى التعليم. تشير إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2025 إلى أن 50% فقط من الأطفال السوريين في الفئة العمرية 6-14 سنة ملتحقون بالتعليم الابتدائي (UNHCR, 2025). في هذا السياق، تلعب منظمات مثل “أنيرا” (Anera) دورًا محوريًا من خلال توفير “فصول تعليمية مرنة” داخل المخيمات، حيث تقدم برامج تعليمية أساسية مصممة خصيصًا لتناسب احتياجات الطلاب المنقطعين عن الدراسة (Anera, n.d.).

الأهم من ذلك، تُظهر دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في مجلة “Journal of International Migration and Integration” أن الأسر اللاجئة تفضل هذه الأنماط من التعليم غير النظامي ليس فقط بسبب سهولة الوصول، بل لأنها تُنظر إليها على أنها “أكثر سهولة وملاءمة وشمولية” (Diab, 2025). يوفر هذا النوع من التعليم دعماً مصمماً خصيصاً وحساساً ثقافياً، وهو ما يفتقده غالباً في النظام الرسمي المكتظ (Diab, 2025). هذه التفضيلات تتحدى الافتراضات السائدة حول تفوق التعليم الرسمي وتؤكد على قيمة النماذج البديلة التي تضع احتياجات المتعلم في المقدمة (Diab, 2025).

يواصل قطاع غزة معاناة غير مسبوقة في قطاع التعليم، حيث تقدر اليونيسف أن ما لا يقل عن 92% من المدارس بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل كبرى (UNICEF, 2026). في مواجهة هذا الدمار، أطلقت اليونيسف برنامج “العودة إلى التعلم” (Back-to-Learning)، بهدف توسيع نطاق التعليم غير النظامي ليشمل مئات الآلاف من الأطفال (UNICEF, 2026). هذا البرنامج يوفر “مساحات تعلم” في الخيام والمراكز المجتمعية، والتي لا تقدم التعليم فقط بل تشكل طوق نجاة نفسي للأطفال (UN News, 2026).

في الضفة الغربية، تواجه الأونروا تحديات مماثلة مع استمرار إغلاق المدارس. ففي بيان رسمي، أعلنت الأونروا أن ست مدارس تابعة لها في القدس الشرقية قد…